حينما طرح أحد الحضور في الجلسة التي حملت عنوان "فرص الاستثمار في قطاع النقل" في المؤتمر الثالث عشر لرجال الأعمال والمستمثرين العرب مسألة النقل الداخلي على وزير النقل يعرب بدر مستعرضاً بعض سلبياتها، ردّ الوزير بالقول: حينما كان الاعتماد الأساسي على السرافيس كانت الشكاوي تصلنا من وضعها والسلبيات تلفّها، وحينما خطينا نحو استبدالها بباصات النقل الداخلي لم يعجب الصحافة أيضاً الوضع، وظهرت مقالات كثيرة تنقد حالها.
لكن أحداً لم يرد على سيادة الوزير، ولو أتاح لي فرصة الرد لقلت له: الصحافة لا تخلق موادها من العبث، الصحافة تنقل واقع، هي ليست مبادرات وعبثيات فردية ومصالح ذاتية، إنما تغوص في الشارع، ليس دفاعاً عن الصحافة، ولكن تأكيداً أن الوضع أشد سوءاً مما وصفه ذاك الحاضر الذي انتقد وضع النقل الداخلي في البلد، مع العلم أنه ليس صحفياً بل مواطناً عادياً.
لو توقّف وزير النقل عند كراجات نهر عيشة المبتدعة عوضاً عن كراجات البرامكة لأدرك أن الصحافة لم تنقل سوى غيض من فيض، فالناس كانت تشتم وتسب حال النقل في سورية، وحينما رفع أحد الركاب صوته على أحد السائقين و"فش خلقه" به تدخّل منظّم كراجات نهر عيشة وهدّده بالشرطة على إساءته.
كما لم يحضر وزير النقل حادثة لسيدة في الخمسينات وقعت من باص النقل الداخلي إلى الشارع، بسبب ازدحام الباص وبدأ "عملية التدفيش" فيه، حيث أن قلّة الباصات تدفع الناس للركوب كيفما تيسّر خير من الوقوف لساعات في الشارع.
ولا أعتقد أن سيارته الكريمة اضطرت لعبور الممر الإجباري الضيق في جسر الرئيس لكافة خطوط النقل التي تقف بداخله وصولاً لشارع الثورة بعد إغلاق دوار كفرسوسة، أو أنه رأى كيف تراوغ السرافيس ساعات حتى تنفذ من الأزمة التي تسبّبها الصروح الصينية الضخمة في مضيق ذاك الجسر.
ومن المؤكد أنه لم يشهد كيف يكسّر الواقفون في باصات النقل الداخلي الباب الخلفي حتى يسمعهم السائق ويتوقف لهم، والأخير لايفتح لهم الباب قبل أن ينتقم منهم بكلمتين "طيبتين" على طريقته، حتى بات لزاماً على كل من يصعد هذه الباصات سماع أربع جمل نابية على الأقل في كل رحلة.
سيادة وزير النقل يعرب بدر.. المقالات التي لم تقنعك ولم تعرها اهتمامك على مايبدو، لن تضعك فعلاً أمام الصورة الحقيقية لباصات النقل الداخلي، ولن تعرف الوضع إلا أن اعتليت أحد هذه الباصات كمواطن عادي لا كوزير، فهل تقبل؟