تعرّفت للمصادفة على أحد رجال الأعمال الأميركيين من خلال كتاب كنت أقرؤه صباح اليوم السابق لرأس السنة، وقد لفت نظري اللقب الذي أطلقه هذا الرجل على نفسه "مدير القرن الحادي والعشرين".
وكانت المصادفة الثانية هي أنّ هذا الشاب الأميركي كان قد خطّط مع انطلاقة القرن الجديد للانتقال من مجرّد شاب أسود فقير يعيش ووالدته من بيع الجرائد إلى أحد مليونيرية أميركا الذين تنشر أسمائهم مجلة فوربس سنوياً.
وقبل بداية العام 2010 كان هذا الرجل قد ظهر على قائمة أغنى أغنياء أميركا، لينهي العقد الأوّل من الألفية الثالثة، بتحقيق الحلم الذي زحف من خلاله على الأرض بكل معنى الكلمة حينما كان ينحني تحت أبواب المنازل والمكاتب ليُدخل الجرائد التي يوزّعها إلى مقرّات المشتركين.
كنت أقرأ عن حياة هذا الرجل قبل أيام فقط من انتقال عقارب الساعة إلى الثانية عشرة صباحاً بتاريخ 31/12/2009، حين ودّع العام نهاية العقد الأوّل من الألفية الثالثة، وهو ما شكّل مناسبة توقّف عندها العالم ليحسب ما أنجزه وما فاته في السنوات العشر المنصرمة من بداية الألفية الثالثة، وهذا طبعاً لدى الغالبية القائلين بأنّ القرن الحادي والعشرين انطلق منذ بداية عام 2000 وليس من نهايته.
خلال هذه السنوات العشر من عمر الألفية ومن عمر الإنسان نعلم أنّ كثيرين من الشباب ممن نعرفهم أو نسمع عنهم أو تُحدّثنا عنهم مكاتب التشغيل، مازالوا زبائناً دائمين لهذه المكاتب يراجعونها بحثاً عن وظيفة الدولة التي هي غاية ما يطمحون إليه.
كما أننا نسمع أو نعرف الكثيرين ممن قضوا هذه السنين العشر ولم يتطوّر تفكيرهم قيد أنملة ومازالوا حتى اليوم "مكانك راوح"، يندبون حظّهم ويعلنون غضبهم من الحظّ العاثر ومن القدر ومن المجتمع والدولة، بل إنّ تذمّرهم يمتد إلى من "خلّفهم" أي أبويهم الذين جاؤوا بهم إلى هذه الدنيا.
في هذه الأثناء، كان مدير القرن الذي حدّثتكم عنه ينفّذ خطته الطموحة بالانتقال من بائع جرائد إلى إمبراطور إعلامي يمتلك جريدة ومحطة تلفزيونية إضافة إلى شركاته الأخرى.
وقبل أن يعترض أحدنا بمقولة بيل كلنتون في كتابه "حياتي": "أميركا هي البلد الوحيد الذي تستطيع أن تكون فيه ماتريد إذا كنت تريد"، فإننا نسارع للتأكيد أنّ الفرص متاحة في بلدان مثل بلدنا والتي مازالت "خاماً" كما يصفها جميع المستثمرين والمختصين، وهذا البلد الخام هو بيئة خصبة للإبداع واقتناص الفرص أكثر من البلدان التي أشبعت بالأفكار التي يمكن أن تستثمر على أرض الواقع.
ودون أن نطيل، فإننا نحيلكم إلى جمعيات روّاد الأعمال الشباب مثل جمعية سيا وبداية وهيئة التشغيل الرسمية وغيرها لتسمعوا عن قصص الناجحين من الشباب والشابات السوريين الذين قرّروا أن يكونوا أصحاب أعمال بدلاً من أن الاكتفاء بانتظار وظيفة الدولة.
هؤلاء الذين يسموّن رواداً للأعمال هم من بيننا، لكنّهم رفضوا أن يكونوا مثل غيرهم، بل قرّروا أن يكونوا من أبناء هذا القرن ويديروه بدلاً من أن يديرهم.
حصل كثيرون منهم على تمويل هذه المؤسسات ورعتهم شركات عريقة وموّلتهم مصارف لاتعرف المجاملة ليثبت كل ذلك أنّ من هؤلاء الشباب السوريين من هو قادر على ابتداع فكرة لم تخطر على بال أحد من قبله، أو على الأقل لم يعرف أحد قبله كيف يستثمرها.
عندما نقرأ قصص مشاهير العالم ممن وصلوا إلى النجاح بعد أن بدؤوا من الصفر، نقرأ عن فتاة من أصل إيراني كانت بانتظار فنجان القهوة في أحد المقاهي الأميركية، فخطرت ببالها فكرة إنشاء سلسلة مقاهي تقدّم نكهات القهوة المختلفة في بريطاينا حيث تعيش، ولتؤسّس لاحقاً ماعرف بـ"جمهورية القهوة" التي حوّلت هذه الفتاة إلى واحدة من أغنى أغنياء بريطانيا.
كما نقرأ عن مخترع الاتصال عبر الإنترنت، لنكتشف أنّه مراهق من أصل مصري. جاء في زيارة إلى القاهرة فلمعت في رأسه فكرة إيجاد حلّ لمعضلة صعوبة الاتصالات وارتفاع أسعارها بين مصر والخارج.
ونقرأ عن المراهق الآخر الذي كتب اسم أحد مواقع الإنترنت خطأً، فدخل إلى موقع لشركة كندية تصنّع بعض الألعاب، فقرّر التواصل معها ليصبح فيما بعد وكيلها الأوّل في بريطانيا وهو مازال شاباً صغيراً، ثم دخل لاحقاً نادي المليونيرية والمشاهير.
كل مايجمع هذه القصص كما ترون هو التفكير ثم التفكير ثم التفكير، والتقاط أية فكرة أو فرصة، وهذه كانت إحدى وصايا مدير القرن الحادي والعشرين في كتابه "تسع خطوات لكي تصبح مليونيراً".