لم تطرح وسائل الإعلام السورية حتى الآن استبيان أسوأ شخصيات في العام، في الوقت الذي أصبح فيه هذا الاستبيان من المسلّمات في دول العالم بما فيها العربية.
كما تحوّل مثل هذا الاستطلاع للآراء إلى شهري ويومي في بعض الدول، حيث تقدّم بعض البرامج التلفزيونية الأميركية يومياً استفتاءات وتسميات لأفضل وأسوأ شخصية في هذا اليوم.
وأكثر من ذلك، أصبحت المهرجانات العالمية تتضمن جوائز- أكرر جوائز- لأسوأ ممثل أو ممثلة وأسوأ فيلم، ويأتي أصحابها لاستلامها وهم في كامل قواهم العقلية.
وأكثر من هذا وذاك انتشرت في العالم مسابقات حول أسوأ ابتسامة أو أبشع شخصية، ويحصل أصحابها على جوائز ويرفعونها في الهواء ابتهاجاَ.
والسؤال الأوّل: لماذا يرضى هؤلاء الناس بالظهور في هكذا مسابقات، ولماذا لا يرفعون دعاوى ضد أصحاب الاستبيانات أو الاستفتاءات الذين يعلنونهم كأسوأ شخصيات العام.
والسؤال الثاني: ماذا لو قررت إحدى وسائل الإعلام السورية إجراء استفتاء سنوي لأسوأ شخصيات العام، وتم تقسيمها كما يحصل في العادة: أسوأ شخصية اقتصادية، إعلامية، فنية، رياضية، إلخ؟
سنكتشف جميعاً أنّ تعامل الناس في دول العالم التي نتحدث عنها مع مبدأ الإشارة إلى الأسوأ في إنتاجهم وأعمالهم، هو جزء لايتجزّأ من ثقافة وعقلية راسخة تجعل من ارتكب خطأ من المسؤولين أو الشخصيات العامّة يظهر على الملأ ليعلن اعترافه بخطئه ويطلب العفو من الناس، مايؤدّي لزيادة شعبيته أكثر من السابق.
كما أنّه جزء من الثقافة التي تجعل الفتاة التي تعرّضت للاغتصاب توافق على الظهور في البرامج التلفزيونية لتحكي للناس ماحصل معها.
لقد أصبحت كل الأشياء السابق ذكرها ثقافة عامة لدى الناس، بل إنّ هذا الأعمال بدأت تتحوّل إلى "أخلاق" يعتبر مخالفها مخالفاً للأخلاق.
تماماً هذا ما بدأ يحصل، فلدى شعوب تلك الثقافات، ينظر الناس إلى المجرم الذي يظهر على شاشة التلفزيون ليعترف بما ارتكبه ويبدي أسفه عما فعل، وينظرون إلى الفتاة التي تعرّضت للاغتصاب وتخرج على شاشات الإعلام لتروي للناس حكايتها، باعتباره جزءاً من واجب أخلاقي يقوم به هؤلاء.
ويكفي لمعد البرنامج التلفزيوني أو الصحفي أن يتصّل بمن ارتكب الخطأ أو تعرض للخطف أو الاغتصاب ويقول له: "نود منك أن تشرك الناس في ماحصل معك ليستفيدو من التجربة"، حتى يصبح هذه الشخص أمام واجب أخلاقي حقيقي، يعاقب مخالفه بالاتهام الاجتماعي على أنّه أناني لايرغب بمشاركة الناس القصّة، وكأنّه يريد لغيره من البشر أن يتعرّضوا لمثل ماتعرّض له.
حسناً لنفترض - على طريقة ياسر العظمة - أننا نمنا ثم استيقظنا لنجد وزيراً قد استقال بسبب وقوع دجاجة في "ريكار" الصرف الصحّي، أو وزيراً آخر استقال بسبب ارتفاع نسبة الوفيات من وباء إنفلونزا الخنازير.
ثم فتحنا شاشة التلفزيون لنجد مجرماً يعترف بكل طواعية لابسبب رعبه من المذيع، بأنّه ارتكب الخطأ الفلاني بسبب كذا وأنّه ينصح الشباب بالخطوات التالية.
ثم لتكتمل الرؤية يمكننا أن نتخيّل أننا دعينا إلى مهرجان وزّعت فيه جوائز لأسوأ مدير في القطاعين العام والخاص وأسوأ إعلامي وأسوأ رياضي وأسوأ ممثل وممثة وأسوأ مسلسل، ثم ظهر أصحاب هذه الجوائز مبتسمين وهم يشكرون لجان التحكيم على مساعدتهم في كشف أخطائهم وأخطاء عملهم، ثم يلقي أحدهم كلمة يستشهد فيها بقول عمر بن الخطاب: "رحم الله امرأً أهدى إليّ عيوبي".
كما تقرأ على المواقع الإلكترونية وووسائل الإعلام ذلك اليوم نتائج استبيان أسوأ شخصيات العام في سورية، فترى الناس يرددون أسمائها وهم يناقشون أسباب التقصير في العمل والأداء التي أوصلت هؤلاء إلى مثل هذه النتائج.
والآن نفتح عيوننا بعد هذا المنام، ونتابع وسائل الإعلام لنجد سرداً للإنجازات من قبل الشخصيات العامّة من القطاعين العام والخاص، وردوداً طويلة عريضة ضد أي انتقاد أو رأي مخالف لسياسات وإنجازات الشخصيات العامّ.
كما نستيقظ لنقرأ لائحة بجوائز الأداء الأفضل مع انسحابات ورفض واعتراضات ممن حصل على الجائزة الثانية أو ممن لم يجمّع أصواتاً كافية في الانتخابات العائدة لأي نوع من الاتحادات أو الجمعيات التي تتحدث ليل نهار بالشفافية.
وقب أن ننام لاننسى أن نتابع الشرطة في خدمة الشعب لنجد أحد الشباب المجرمين يعترف رغماً عنه أمام الكاميرا، بأنّ الشيطان أغواه وأنّه صرف المسروقات على ملذاته الشخصية، وأنّه ينصح الشباب بتجنّب هذا الطريق الذي لايحصد سالكه غير الندامة.