روى رجل أعمال سوري انطلق من الصفر، واستطاع أن يكوّن ثروة كبيرة ويؤسّس شركات عدة، أنه كان يترك مستشاريه يعملون طوال اليوم ثم يجتمع معهم لساعات قليلة ليتخذ بعدها القرارات المناسبة لأعماله.
هذه الحالة تختصر جزءاً بسيطاً من عملية اتخاذ القرار في الشركات السورية، والآلية التي يتبعها رجال الأعمال في صناعة القرار الذي من المفترض أن يعود عليهم بالملايين. ويرى النائب الاقتصادي عبد الله الدردري أن أخطر الحكومات تلك التي لا تتخذ القرارات مبيناً أن الحكومات التي لا تفكر بالمستقبل لا تعالج المشكلات الشائكة ولا تتخذ القرارات بشأنها إذ إن حالة اللاقرار هي أخطر ما يهدّد العمل الاقتصادي.
وربما نجد قلة من الشركات المحلية، والصناعية منها بالذات، تعتمد على العمل المؤسّسي في اتخاذ القرار إنما يعتمد معظمها على رأي أصحابها أو الشركاء فيها، وذلك لأن معظم هذه الشركات هي صغيرة ومتوسطة وتغيب عنها الأقسام المتخصّصة في ذلك.
وسادت ذهنية "هيك بدو الحّجي" في قطاع الأعمال خلال الفترات السابقة، الأمر الذي أدّى إلى اتخاذ قرارات لا تصبّ في مصلحة الشركات ولا تؤدي إلى تطوير أعمالها. وتطورت آلية اتخاذ القرارات في الشركات السورية من حصرها بيد المالك صاحب الصلاحية ومطلق اليد فيها إلى توزّعها على المستويات الإدارية المتعددة في الشركة وإشراك المديرين الفرعيين ودخول المستشارين إلى حلبة اتخاذ القرارات وهذه خطوات لافتة دفعت أصحاب ومديري الشركات إلى إيلاء الأهمية المناسبة للقرار وآليات اتخاذه.
خطوط متصلة
يرى الصناعي محمد دعبول أن هناك صعوبة في سورية بجعل الشركات مؤسساتية مئة بالمئة بسبب التعقيدات الموجودة في المعاملات والتشريعات، لافتاً إلى إمكانية إعطاء الصلاحيات للمديرين ورؤساء الأقسام في المؤسسات والشركات الكبيرة.
ويؤكد دعبول أن القرار اليومي في مجموعة دعبول الصناعية يتخذ من قبل رؤساء الأقسام ومديري الشركات، مع تدخّل رئيس مجلس الإدارة أو المدير العام في بعض القرارات التي تحتاج إلى دراسة أو توجيه معين أو تلك المتعلقة بالقوانين أو القرارات الصادرة عن الحكومة، وبالتالي يجب أن تكون الخطوط متصلة مباشرة بين المدير العام ورئيس مجلس الإدارة.
ويرى دعبول أنه من الضروري أن يعطى المديرين في الشركات أو المجموعات الكبيرة الصلاحيات لتعذر قدرة مجلس الإدارة على التدخل بتفاصيل العمل اليومية لكنه يطلع عليها من خلال التقارير التي يرفعها رؤساء الأقسام حتى تصل إلى مجلس الإدارة والتي توضح آليات سير العمل وعند اكتشاف وجود خلل ما في العمل يتم التحضير لاجتماع من أجل معالجة هذا الخلل.
وكشف دعبول أن طبيعة عمل المؤسسات تفرض أن يكون اتخاذ القرار الاستراتيجي لرئيس مجلس الإدارة ومجلس الإدارة والمدير العام، لكن القرارات اليومية لا يتدخل بها مجلس الإدارة.
تزايدت في الآونة الأخيرة أهمية المستشارين في عمل الشركات، ويقول دعبول: لدى مجموعتنا الصناعية عدد من المستشارين التجاريين والماليين والإداريين والقانونيين، وكل مستشار يختص بعمل معين ولديه خبرة واسعة وكبيرة في المجال الذي يعمل به، ودوره اقتراح القرار ولا يملك صلاحية اتخاذه.
اختصار الوقت
أسهم وضع الشركات السورية ووجود تشريعات غير محفزة على العمل أن يتفرد صاحب العمل الاقتصادي في اتخاذ القرار. يقول رجل الأعمال أبو الهدى اللحام: إن الشركات الصغيرة مع وجود تشريعات تحدّ من التطوّر بشكل غير مقصود فرضت آلية محددة في اتخاذ القرار، ومع تطور الأوضاع الاقتصادية سواء التشريعات أو بيئة الأعمال وتخفيف حلقات الروتين وانفتاح الأسواق أدت إلى انتهاج السرعة في اتخاذ القرار.
ويكشف اللحّام أنه يستشير أصحاب الخبرة في كثير من الحالات رغم أنه يتعامل مع المواد والسلع التي يمتلك خبرة فيها، لكن عندما يعمل في منتجات جديدة يستند إلى آراء أصحاب الخبرة ويقوم بإجراء اتصالات، ودراسات قبل أن يتخذ أي قرار ويحاول أن يختصر الوقت في ذلك.
أما الصناعية نسيبة موسى فترى أن كل شيء يحتاج إلى دراسة معمقة وترتيب خاص وليس اتخاذ قرار سريع، وتحاول موسى إشراك قسم الموارد البشرية في اتخاذ القرارات وتؤكد أن لديها مستشارين متخصّصين في مجال عملها وأنها تعتمد بشكل كبير على غرفتي التجارة والصناعة وما تقدمه من خدمات لسيدات الأعمال.
الإدارة الحديثة
تنتهج مجموعة الشاعر للكيماويات العمل المؤسّساتي، ويؤكد رئيس مجلس إدارتها محمد الشاعر وجود هيكل تنظيمي في مجموعة مؤلفة من مديريات ومديرين لها ومدير تنفيذي وتستند في عملها إلى الإدارة الحديثة، وصنع القرار فيها يبدأ من أسفل الهرم إلى أعلاه.
ويقول الشاعر: في بعض المسائل التسويقية هناك مستشار للشركة أما في المواضيع الفنية فهناك مديرين متخصّصين يديرون العمل، وهؤلاء المتخصّصين من أعلى المستويات وأصحاب درجات الدكتوراه في الصناعة إضافة إلى وجود قسم للأبحاث ومستشارين ماليين وقانونيين.
ويؤكد الصناعي أيمن برنجكجي أنه يتخذ قراراته بناء على دراسات وأرقام ويعتمد على ما تقدمه إليه الأقسام المختصة في الشركة من آراء التي على أساسها يبني قراره. ويرى برنجكجي أن زمن الحجة هيك بدو تغير، إذ إن كل رجل أعمال لديه اليوم مستشارين ومديرين وأصدقاء إضافة إلى دور العلاقات اليومية مع الأشخاص المتخصّصين الذين لا يتوانى عن استشارتهم.
قرارات غير ارتجاعية
لدى سيدة الأعمال مروى الأيتوني طريقة خاصة في اتخاذها للقرارات في عملها الصناعي، إذ إنها تدرس كل موضوع من جميع نواحيه، وتركز على دراسات التسويق ووجود المنتج بالسوق وإقبال المستهلكين عليه وغيرها من النقاط ثم تتخذ القرار المناسب برأيها.
وتكشف الأيتوني عن الذين يشاركونها في اتخاذ قراراتها بقولها: في معمل والدي نتخذ القرار أنا وأخي معاً، أما في معملي فأتخذ القرار أنا وزوجي.
وتضيف الأيتوني: في كلا الحالتين نعتمد على مستشارين في المبيعات.
لكل رجل أو سيدة أعمال طريقة خاصة في الإدارة ينجم عنها طريقة محددة في اتخاذ القرار، ومهما يضع علماء وخبراء الإدارة من نصائح لأصحاب الشركات تدفعهم لاتخاذ القرارات، فإن لكل واحد منهم سرُّ معين يتخذ القرار بناء عليه.
الأيتوني ترى أن أحد أسرار نجاحها في اتخاذ قرارها هو أنها تستمع للجميع ومن ثم تتخذ قراراها، إلا أنها تتعامل مع هذا الموضوع بطريقة مختلفة حيث تقول: أنا ديمقراطية جداً في سماع الآراء، وبيروقراطية جداً في اتخاذ القرار، وهذا أحد أسرار نجاحي.
ويؤكد رجل الأعمال بشار النوري أن قطاع الأعمال يأخذ قراراته بشكل منفرد إلا أن الظروف الاقتصادية فرضت على رجال الأعمال الاعتماد على المستشارين ويقول: من الضروري استشارة الآخرين الكبير والصغير والمهني والخبير، وهذا ما فرضته المنافسة مشيراً إلى دور العلم والتكنولوجيا المعاصرة في صنع القرار.
يحاول النوري أن لا يتخذ قرارات ارتجالية بل أن تكون مدروسة من قبل المستشارين ويكشف للاقتصادي أنه يستشير رجال الأعمال الكبار في السن ولديهم الخبرة في العمل الاقتصادي.
خمسة مفاصل إدارية
يلعب حجم الشركة أو المنشأة دوراً في حسم الشكل والطريقة التي على أساسها يتخذ رجل الأعمال قراره، يقول الصناعي هيثم الحلبي: إن معظم الشركات الصناعية التي تصنف فوق المتوسطة لديها مجلس إدارة والقرار يتخذ على هذا المستوى، أما في المنشآت الصغيرة والمتناهية في الصغر فما زال رب العمل هو من يتخذ القرار بالتشاور مع بعض معاونيه أو فردياً.
ويرى الحلبي أن 70% من المنشآت الصناعية في سورية هي صغيرة ومتناهية في الصغر، أي تشغّل أقل من 10 عمال بينما العلم الحديث ينادي بضرورة اتخاذ القرار بالتشاور وفي مجلس الإدارة، ولذلك فإن معظم الشركات الناجحة والتي تخطط لأمد طويل من أجل البقاء والاستمرار هي التي تأخذ قرارها في مجلس الإدارة.
يتخذ الحلبي قراره في شركته بالتشاور مع معظم المفاصل الإدارية بالشركة، إذ يبدأ بطرح أي مشكلة تواجه أحد المديرين الذي يقوم برفعها إلى المدير الإداري ومن ثم إلى المدير العام الذي يدعو إلى اجتماع يضم نحو خمسة مفاصل إدارية تتخذ القرار المناسب لمعالجة هذه المشكلة.
ويضيف الحلبي أنه يتعامل مع بعض المستشارين من ذوي الاختصاصات المتعددة الذين يطلب منهم إبداء الرأي عند الضرورة وهم المستشار المالي والمستشار الجمركي والمستشار القانوني.
الشركات الناجحة
لا تنجح شركة دون قرار صائب ويتخذ في التوقيت المناسب، وإشراك الجميع في اتخاذ القرار هو ميزة تمتلكها الشركات الناجحة والتي تولي أبسط التفاصيل الأهمية المناسبة. إذ استطاعت شركة يابانية التخلص من مشكلة في تصنيع منتجاتها بعد أن عجز الخبراء عن حلها من مجرد اقتراح قدمته عاملة بسيطة اتخذت الشركة بناء عليه قراراً أدى إلى معالجة المشكلة.