كتب جورج صغير - مدير حقيبة استثمارية في الولايات المتحدة الأميركية
أكتب لكم هذه الرسالة تعقيباً على مقالكم المنشور مؤخّراً بعنوان "كيف ساعدت المصارف الخاصّة في سورية في بدء الأزمة وتسريعها".
لقد أبدى الكاتب نادر الشيخ الغنيمي مؤلّف هذا المقال نقداً شديداً للقطاع المصرفي، وسنحاول في هذه الرسالة الإجابة عن بعض المواضيع الرئيسية التي طرحها في مقاله.
1. ينطوي عنوان المقال على قدر كبير من الغرابة. فالقطاع المصرفي السوري لم يكن المتسبّب بالأزمة الحالية ولم يساعد على نشرها، بل إن القطاع بحدّ ذاته عانى من مشاكله الجمّة خلال العام المنصرم، ولم تكن الآثار السلبية المترتّبة على المصارف مختلفة إلى حدّ كبير عمّا واجهته القطاعات الأخرى من الاقتصاد.
2. تتمتّع الدول التي تشهد نموّاً اقتصاديّاً مرتفعاً عادة بسوق مالي شديد التطوّر، وبالتالي فالقول بأن تحرير الاقتصاد السوري كان يمكن أن يحدث دون أن يكمّله تطوّر نظام مصرفي حيوي، هو طرح لا دليل على صحّته من التاريخ حتى على مستوى العالم. كما أن القول بأن المصارف السوريّة الخاصّة قد دخلت المعترك قبل الأوان هو أمر غير ذي مصداقية، بل يمكن للمرء أن يزعم عكس ذلك، حيث أن تطوّر القطاع المصرفي في البلاد جاء في وقت متأخر.
3.أكثر طروح المحلل الغنيمي إثارة للجدل في مقاله هو ما ذهب إليه من أن المصارف كانت منخرطة في عملية تحويل الأموال إلى خارج البلاد. وهو يجانب الصواب في ذلك. فالمصارف السورية غير قادرة على تحويل الودائع بالليرة السورية إلى خارج البلاد. وليس بوسعها إلا تحويل ودائعها بالعملات الأجنبية وجزء من رأسمالها غير المحتجز في المصرف المركزي. والمقال يعطي القرّاء انطباعاً خاطئاً بأن المصارف كانت منخرطة نوعاً ما في عملية هروب ضخمة للأموال. وهذا طرح خطير. فالمصارف لم تقم بتحويل ودائع زبائنها بالليرة السورية إلى خارج البلاد ولم تساعد في إضعاف العملة السورية بهذه العملية. وسوف نعالج هذه النقطة الهامّة بمزيد من التفصيل في الفقرة اللاحقة.
4. عندما يقرّر مصرف ما إطلاق عملياته في بلد من البلدان، فإنه يجب أن يقدّم لمستثمريه الأوائل عائداً معيّناً على رأس المال على شكل إيرادات وأرباح أسهم متوقّعة. ويجب أن يأخذ الحجم المثالي لرأس المال الأولي المدفوع بعين الاعتبار العائدات المتوقّعة على الاستثمار. وقد ذكر السيّد الغنيمي أن رأس المال الأولي كان دون المستوى المطلوب دون أن يقدّم أي رأي حول العائدات التي يمكن للمستثمرين توقعها على رأسمالهم. ومن بين المصارف الأربعة عشر العاملة في البلاد، حققت المؤسسة ذات الربحية الأعلى ربحاً صافياً يبلغ 1.009 مليار ليرة سورية، وبلغ رأسمالها المدفوع 7.828 مليار ليرة سورية. وهذا يعني أن العائد يبلغ 12.9%. وفي بلد تحقق الودائع فيه ما يقارب 10% كل عام، لا يعتبر هذا العائد على رأس المال غير معقول. بل في حقيقة الأمر، الدعوة إلى رفع رأس المال بشكل كبير تتجاهل حقيقة أنه ما لم تقفز الأرباح أيضاً بشكل كبير، فإن العائد المتوقّع على الاستثمار سيكون رقماً منخفضاً ومن خانة واحدة.
5.بحلول نهاية 2011، بلغ المجموع الإجمالي لموجودات المصارف الأربعة عشر في سورية ما يعادل 562 مليار ليرة سورية. ووصل إجمالي الودائع المحتجزة لدى المصرف المركزي إلى 99.7 مليار ليرة سورية (17.7%). وكان حجم الموجودات السائلة 286.7 ليرة سورية (51%). وبلغ حجم الودائع بالعملات غير السورية لدى المؤسسات المالية الأخرى (والمفترض أنها خارج البلاد) 126 ملياراً أو 22.4% من إجمالي الموجودات. والمصارف التي تقبل ودائع بالعملة الأجنبية يجب أن تتأكّد عادة من التخلّص من مخاطر العملة الأجنبية عندما تقرّر الاستثمار بهذه الودائع. وبما أنه ليس هناك سوى فرص محدودة للإقراض أو الاستثمار بالعملات الأجنبية داخل البلاد، فإن المصارف عادة تلجأ إلى إيداع أموالها على شكل ودائع آمنة نسبياً في مصارف خارجية. ولا يمكن بكل بساطة أن نتوقّع منها أن تحوّل ودائع زبائنها بالعملة الأجنبية إلى ليرات سورية وأن تقوم بإقراضها ضمن الاقتصاد المحلي. فهذا الأمر سوف يعرّض المصارف إلى خسائر كبيرة في أسعار الصرف. وبالنسبة للتهمة القائلة بأن المصارف قد قامت بشكل عام بالإقراض إلى شركات ذات حجم كبير وليس إلى مشاريع صغيرة، فإن ذلك بالفعل أمر يبعث على الدهشة. فالمعروف تماماً هو أن المصارف تقرض مقابل ضمانات عالية الجودة. ومعظم المقترضين من الأفراد والمشاريع الصغيرة يفتقرون إلى الضمانات العالية الجودة التي يمكن للمصارف أن تستعملها لتقديم القروض. وما يضخّم هذا الأمر هو أن البلاد تفتقر إلى البيئة القانونية التي تسمح للمصارف بإعادة امتلاك وبيع الضمانات المرهونة التي يستعملها الأفراد أو المشاريع الصغيرة عند الحصول على القروض. ويصعب القول أن المصارف الخاصة هي السبب في تأخّر حصول المجموعات ذات الدخل المنخفض والمتوسّط على القروض، ولا يمكن انتظار أن تقوم المصارف بتقديم القروض التي لا يرجّح سدادها. ويجدر بالقول أن النظام المصرفي الغربي قد مّر بمرحلة تقديم القروض ضمن شروط ميسّرة للغاية، ولم تكن النتائج مشجعة أبداً.
وبما أن الاقتصاد قد خسر زخماً قويّاً منذ أن بدأت الأزمة السياسية الحالية، ظهرت نزعة لا تُقَاوَم إلى البحث عن أكباش فداء لإلقاء التبعة عليها. وليس من المدهش بأن المصرفيين من ذوي الدخول المرتفعة نسبياً والأثرياء من مساهميهم قد أصبحوا أحد الأهداف الرئيسية لهكذا استهداف. ومع ذلك، من الأهمية بمكان أن يفصل المرء ما بين الحقائق والعواطف. فحتى قبل الأزمة، لم يكن الاقتصاد السوري ينمو بالسرعة الكافية التي تمكّنه من امتصاص الأعداد المتزايدة من الناس المنضمّين إلى صفوف القوى العاملة. وعوضاً عن لوم المصارف على سوء الأداء الاقتصادي، فيما يلي قائمة موجزة بالأمور التي أعاقت النمو الاقتصادي للبلاد:
أ) ضعف البنية التحتية: يشمل هذا الأمر الإمدادات الكافية بالطاقة الكهربائية، ومصافي النفط، والمرافئ، والمطارات، وشبكات الانترنت ذات السرعة العالية.
ب) لا يمكن تحقيق ما ذكر أعلاه مع مواصلة الخزينة الحكومية إنفاق معظم مواردها المالية من أجل دعم قطاع عام فاشل وبرامج دعم ذات تكلفة باهظة للغاية. وفي حين أن فقراء سورية يحتاجون إلى الدعم، تظل الحقيقة في أن المستفيدين الحقيقيين من معظم البرامج هم الأغنياء والأشخاص ذوو الحظوة إضافة إلى المهرّبين.
ج) غالباً ما تُتَّهم الحكومة السورية بتقديم القليل من الخدمات أو عدم تقديم أي خدمات على الإطلاق. ولكن الحقيقة تظلّ في أن خزينة الدولة متخمة بالالتزامات غير المحدّدة والتي أخذتها على عاتقها من خلال سياساتها. وغالباً ما يُقال أن دعم الطاقة لوحده يستهلك ما يقارب 5 مليار دولار سنوياً، في حين أن عمليات الدعم الأخرى تصل حتى 3 مليار دولار إضافية. وقد زعم العديدون أن الدعم لا يصل إلى هذا المستوى بما أن سورية تنتج نفطها بنفسها وأن مبالغ الدعم تحتسب على أساس المبالغ التي يمكن للبلاد أن تبيع منتجاتها مقابلها في السوق الدولية. في الحقيقة، يجب أن يكون هناك نظام محاسبة شفّاف لبرنامج الدعم. ومع ذلك فإن الشرائح الأفقر من السكّان يجب أن تحصل على المساعدة. بيد أن الدولة غير قادرة على مواصلة دعم الأمّة بأكملها إلى الأبد.
د) لا يمكن للمرء أن يتخيّل أن الخزينة السورية قادرة على مواصلة الإيفاء بالالتزامات السابقة دون اتخاذ قرار جريء بالتوقّف عن إدارة المؤسسات التجارية بنفسها. فحتى القطاع الخاص الذي يعتبر أكثر كفاءة بكثير يجد صعوبة في تحقيق أرباح متّسقة والتوسّع ضمن سوق عالمية تنافسية كهذه. ويجب أن يتوقّف صنّاع السياسات في سورية عن إقناع أنفسهم بأن القطاع العام الحالي يمكن إصلاحه. فهو غير قابل للإصلاح. ولا يمكن للقطاع العام السوري أن يواصل هدر الأموال بعد كل ما حصل وتبيّن من الخسائر، فالغالبية العظمى من الشركات المملوكة من القطاع العام والمدارة بواسطته هي بمثابة مصدر هدر هائل للموازنات الحكومية.
ه) تعرّض المصرف المركزي السوري للكثير من النقد بسبب السيّاسة التي اتّبعها مؤخراً في إدارة أسعار الصرف. ومن المؤكّد أن هذه القضية ذات حساسية كبيرة. فقد عانى المصدّرون السوريون ولفترة طويلة من الزمن من معدّل سعر صرف قوي نسبياً خلال العقد الماضي. ويمكن للمرء أن يحاجج أن الفرق الناجم عن التضخّم قد تسبّب بالتأكيد بإضعاف العملة مع مرور الوقت. عوضاً عن ذلك، نظرت القيادات في البلد إلى العملة القويّة كمقياس على وجود بيئة اقتصادية مستقّرة. ونتيجة لذلك، جرى تحديد معدّلات الفائدة عند مستويات مرتفعة نسبياً لضمان ثبات تدفق الودائع بالليرة السورية. ولعل من الصعوبة بمكان دعم وجهة النظر هذه. وإذا ما نظرنا إلى الأمر بمفعول رجعي، فإن معدّلات الفائدة كان يجب أن تكون أقل بغية تشجيع الاستثمار وليس استعمالها فقط لجذب ودائع التوفير. لكن النتيجة النهائية تمثّلت بعامل تضاعف أموال قليل جدّاً. فقد كانت الودائع المصرفية كبيرة أكثر من اللزوم مقارنة مع حجم إجمالي الناتج المحلّي في البلاد. ويعتبر عامل تضاعف الأموال القليل علامة على وعي الناس بالمخاطر، حيث لم يشعر عامّة الناس بالارتياح في المجازفة والاستثمار، وإنما وضعوا أموالهم في النظام المصرفي بعد أن أغراهم تقديم فوائد تزيد على 10% تقريباً. أمّا بالنسبة للمصارف، فلو أنها قامت بإقراض المال، لكانت بحاجة إلى تقاضي 12-13% تقريباً من المقترضين. ومن المؤكّد حتماً بأن هكذا نسب كانت ستمنع الاستثمارات الجديدة فيما لو أضيفت إليها الضرائب.
و) في حين كان من الممكن للمرء أن يوافق على سياسات المصرف المركزي بخصوص معدّلات الفائدة وأسعار الصرف قبل الأزمة، إلا أن ذلك أصبح أمراً أصعب بعد وقوع الأزمة، حيث كان يجب التعامل مع ضعف العملة بقوّة وبحسم قبل حصول حالة الذعر وهروب رؤوس الأموال. لكن هذا الأمر تجسّد أخيراً بعد أن تجاوز سعر الصرف عتبة 100 ليرة سورية للدولار الواحد.
ز) يكمن العنصر الرئيس لأي استثمار ناجح في التنويع، ويجب على المرء أن يقاوم إغراء وضع جزء كبير من القيمة الصافية في فئة واحدة من الموجودات أو نوع واحد من العملة الأجنبية. فعلى المدى البعيد، التنويع هو الأمر الوحيد الذي يثبت نجاحه بما أن حداً لن يكون قادراً على التنبّؤ بالمستقبل بدقّة.